القاسم بن إبراهيم الرسي
478
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
الآخرة « 1 » ، وأتاكم ما كنتم توعدون ، وعاينتم ما كنتم تحذرون . أما بعد : فإنه لا عذر لمن هلك بعد المعرفة والبيان ، ولا حجة لمن ركن إلى دار الفناء والحدثان ، ولا ندم يغني عند وقوع العيان ، ولا حيلة تنفع عند فوت الزمان ، وعند السياق وكلول اللسان ، لا ولد ينفع ، ولا أهل يمنع ، في مصرع هائل ، وشغل شاغل ، يدعا فلا يسمع ، وينادى فلا يجيب ، في غصص الموت وسكراته ، وتجرّع زفراته ، وغمومه وحسراته ، قد علاك الأنين ، وأتاك الأمر اليقين ، فلا عذر فتعتذر ، ولا ردة فتزدجر ، قد عاينت نفسك حقائق الأمور ، وحللت « 2 » في مساكن أهل القبور في لحد محدور « 3 » ، قد افترشت اللّبن بعد لين الوطاء ، وسكنت بين الموتى ، بعد مساكنة الأحياء ، فالنجاء النجاء ، قبل حضور الفناء . أما بعد : فإن الدنيا أيام قلائل ، وكل ما فيها ذاهب زائل ، فتعز بالصبر عن الشهوات ، وتناء « 4 » بالحذر عن اللذات ، وفكر فيما اقترفت على نفسك من الذنوب ، وفيما قد ستر اللّه عليك من العيوب ، أما علمت حين عصيته لم يكن بينك وبينه ، ستر يواريك منه . أما استحييت من مولاك ؟ ! وقد علمت « 5 » أنه يراك ، أما خفت العقوبة حين آثرت على تقواه هواك ؟ ! أما بعد : فيا بؤسا لك من مخالف خاسر ، وخائن غادر ! ! أما إنك عن قليل ، تهجم على البلاء الطويل ، فتدارك نفسك إذ عرّضتها للمهالك ، واسلك بها طريق الواضح من المسالك ، ولا تطمعها في راحتها ، أيام حياتها ، واستطرف لها النّصب « 6 » ، واحملها على التعب ، لما ترجو أن تصير إليه من الراحة غدا ، فكأنك قد دعيت فأجبت ، فاعمل
--> ( 1 ) في جميع المخطوطات : الآخرة . ولعلها هكذا ( غمرات الموت أو الفوت ) . واللّه أعلم . ( 2 ) في ( أ ) : وحلّت . ( 3 ) الحدور : الهبوط . وسقط من ( ب ) و ( د ) : في لحد محدور . ( 4 ) في ( ب ) : وتبأ . مصحفة . ( 5 ) في ( أ ) و ( ج ) : تعلم . ( 6 ) استطرف : استفد . وفي ( ب ) و ( د ) : النصف . مصحفة .